دوليسورياكتّاب بلدنا

أكلُ الموزِ كفيلٌ بترحيلِ السّوريّ من تركيا.. “من باعَ أرضه لا كرامةَ له”.. ابراهيم شير

وصل الحال بالسّوريين في تركيا أنّه حتّى الموز أصبحَ من المحرّمات عليهم، ويعرّضهم للتّرحيل. فبعد انتشارِ مقطع فيديو لسيّدة تركية تقول: “أنّ “السّوريّين” في بلادها هم السّبب في ارتفاع سعر الموز؛ لأنّهم يأكلوه بشراهة، ويشتروه بكثرة، في المقابل هي لا تستطيع شراء واحدة، شنّت السّلطات التّركية حملة واسعة لاعتقال أيّ شخص يأكله وخصوصاً ناشري هذه الحالة عبر الفيديوهات، حيث وصل بهم الأمر لاعتقال أحدِ مرتزقة “أردوغان”، المسمّى “ماجد شمعة”. والذي يحملُ الجنسية السّورية، ويعمل في الإعلام، هذا المرتزق لطالما تغنّى بما يسمّى “الحرية” في تركيا، تحت ظلّ حكم رجب طيب أردوغان، وبحماية هذا النظام لحقوق الإنسان، والحرّيات الشّخصية، وحرية التّعبير، ولكن ما إنْ عبّر عن رأيه وتناول الموزة في مقطع فيديو حتّى اعتُقِلَ وسُحِل من اسطنبول إلى غازي عنتاب، وأجبِرَ على حدّ قوله بالتوقيعِ على موافقته من أجلِ ترحيله إلى سوريا، فهل هذا هو النّظام الذي تريد من العالم تقليده؟ هناك حيث بات السّوري ممنوعاً من كل شيء، حتّى لا يجرح مشاعر الأتراك بحسب فلسفة وقواعد نظام أردوغان، الذي يراهم مجرّد مرتزقة رخيصة الثّمن، يزجُّ بهم في حروبِه فقط.

هذه قضيّة دفعتنا لنتذكّر الأمير العثماني “أورهان أل عثمان أوغلي”، حفيد السّلطان “عبد الحميد الثاني”، الذي خرج فجأة ودون سابق إنذار لتعليمِ الشّعب السّوري طرق الحياة الصّحيحة في تركيا، وكيف يكونونَ بشرًا بعد أن زلّ لسانه وقال: أنّهم “همج”. هذا الأمير وضع قواعد صارمة للحياة هناك والتي لا يجب على السّوري فيها أن يخرج مقدار أنملة عنها، حيث خصّص نصف ساعة من وقته “الثمين” لرسمِ الخطوط العريضة لثلاثة مليون سوريّ في كيفيّة الحياة في هذه الدولة مرفِقًا عقوبة وخيمة في حقّ كل من يخالفها.

القواعد التي وضعها “أورهان” منافية تمامًا للقانون الإنساني، حيث طلب من السّوريين عدم التّجمع والتّحاور فيما بينهم سواء بأمورهم الاجتماعية أو السياسيّة، رغم أنّ بلدهم تعيش حالة حرب فمن الطّبيعي التّحدّث حول الأوضاع السياسيّة، وعن التحدّث بصوت عالٍ حول هذا الأمر بعد اعتباره لهم أنّهم همجًا، كما تمّ منعهم من الذّهاب إلى البحر والحدائق أو أكل المشاوي أو النظر حولهم حتى لا تقع أعينهم على أيّة امرأة في الشّارع، حتّى وإن كانت عجوزًا، وألّا يمدحوا الرّئيس التّركي “رجب طيب أردوغان”، أو يتدخّلوا في السّياسة التّركية، كما وطلب منهم عدم الدّخول بأيّة مشكلة مع أي مواطنٍ تركيّ حتّى وإن اعتدى عليهم، فمن ضربك على خدّك الأيمن أدِر له الأيسر. إضافةً إلى أنّه وصف الكائنين في تركيا بأنّهم “إرهابيّون”، وذلك عندما سأله أحد المتابعين على البثّ المباشر لديه لماذا لا يعودون إلى بلادهم؟ قال بزلّة لسان أخرى: أنّهم “إرهابيون”! إذن لديه العلمَ أنّ دولته تدعم الجماعات الإرهابية والمرتزقة ضد وطنهم.

نصائح الأمير الرّحيم للسّوريين في تركيا وسبل السّلامة التي قالها لهم، لو طبقوها في بلدهم منذ عشر سنوات هل كانوا بحاجةٍ ليصبحوا لاجئين أو نازحين؟ لو أنّهم فعلوا ما طلبه منهم ولكن في بلدهم أي لم يتّجمعوا ولم يتّحدثوا بالسياسة ولم ينساقوا لكلام الآخرين، هل كانت لتحدث هذه الحرب في سوريا؟ أو على الأقل هل ستكون بمثل ما هي عليه الآن؟ لو أنّ كلّ سوري ملتزم الآن بقوانين تركيا وألمانيا وكندا واستراليا وفرنسا التزم بالقوانين السّورية واحترم الدولة كما يحترم تلك الدّول كحدّ أدنى، هل كنّا لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم؟

ليكن بعلمكم أنّ هذا الأمير ولد في لبنان عام 1963 ثمّ انتقل مع أسرته للعيش في سوريا، أي أنّه مكث فيها أثناء حكم السيد الرئيس المؤسس “حافظ الأسد” والسيد الرئيس “بشار الأسد” حتى أمد قريب، وفي بداية العام دفن في دمشق عميد أسرتهم “دوندار عبد الكريم عثمان أوغلو”، أي أن أبواب سوريا في ظل حكم الرئيسين الأسد كانت مفتوحة للجميع خصوصًا ممّن تم طردهم من بلدانهم، فسلالة السّلطنة العثمانيّة طُردت من تركيا بعد انهيار رجل أوروبا المريض عام 1923، وهؤلاء الأمراء عاشوا في سوريا ولبنان وبلاد الشام ككلّ معززين مُكرَمين من أهل هذه الدّول الذين ذاقوا الويلات على يد الاحتلال العثماني وآخرهم خوازيق “جمال باشا السّفاح”، ورغم كلّ ذلك لطالما ما فتحت بلادنا أبوابها لهم دائمًا، وعاشوا فيها كأنّهم سوريّون، حتّى أنّهم أخذوا الجنسية، فمع اندلاع الحرب في البلاد أوّل أمرٍ فعله هذا الامير هو الانقلاب على الدّولة السّورية والتحريض عليها، هذا الذي نصح السوريين في تركيا بعدم الحديث في السّياسة!.

حضرة الأمير العثماني عندما أصدر فرمانه الأخير نسيَ أو “تناسى” أن السّوريين في تركيا وهبوا النّظام التركي كل شيء، فقد سمحوا له باحتلال أراضي بلادهم في إدلب وعفرين ومنبج والباب واعزاز ومارع وغيرها، فكانوا مرتزقته ويده التي يبطش بها، ورهنَ إشارته، وجعلهم يقاتلون أبناء بلدهم، ثم أرسلهم إلى ليبيا وقره باغ والآن إلى أفغانستان، ولم يعصوا ما أمرهم به بل نفذوه بكلّ رحابة صدر، ثم يأتي هذا الأمير ويمنعهم من الأكل والنظر والشرب وحتّى السّباحة والتكلّم أو التّجمع لمناقشة أمور حياتهم.

الأمير العثماني قبل إصدارِ فرمانه وتحديدِ شروط الحياة في تركيا، نسيَ أنّ السّوريّين هم من يدعمون الاقتصاد التّركي بصورة مباشرة وغير مباشرة أيضًا، فهو الذي قال أنّه أسّس جمعية لمساعدة العائلات السّورية، وأنّه لم تأت أي عائلة لطلب المساعدة؛ لأن الجميع يعمل، أي أنّهم لا يخسرون عليهم فلسًا واحدًا، ثم أنّهم يفيدون الاقتصاد باليد العاملة الرّخيصة لأن أنقرة لا تدفع عليهم تأمين صحي ولا اجتماعي، ذلك إلى جانب الأموال التي تأخذها سنويًا بحجة منعها وصول اللاجئين إلى أوروبا، والتي تبلغ ستّة مليارات دولار سنويا، والذين تستخدمهم كورقة ضغط على الاتحاد الاوروبي.

هذا الأمير نسيَ أو تناسى أنّه يخاطب أبناء أقدم حضارة في التاريخ وأقدم عاصمة مأهولة أيضًا، شعب لا يرضى الانكسار، كما نسيَ أن الشّهي..د عمر حمد قبل إعدامهم له بيوم، في السّادس من أيار/مايو عام 1915 قال: “نحن أبنـاء الألى سادوا مجداً وعلا.. نَسل قحطان الأبي جد كل العرب”. فمن أنت لتأتيَ وتعلّم أحفاده أصول الحياة؟

رسالتي إلى السوريين في تركيا هل تعجبكم حياة الذّلّ هذه؟ التّنمر والعنصريّة؟ من قدمتم له بلدكم ودماءكم وعرضكم يراكم همجًا وإرهابيّين، أيعجبكم هذا؟ لماذا لا تغادرونها وتذهبون أينما شئتم، لن أقول عودوا إلى سوريا بل اذهبوا إلى أيّة دولة في العالم، أيعقلُ أنّ تركيا وإرهابها بحقكم يثير إعجابكم؟ بالمناسبة الاسطوانة المشروخة بخصوص أنّ من يعود يتم اعتقاله والتّحقيق معه أصبحت قديمة وبالية، ومن باب الدّعابة لا يوجد دولة في العالم لديها سجون تتسع لثلاثة ملايين شخص، وبالتالي لماذا لا تعودونَ إلى بلادكم وتحاولونَ إصلاح ما حدث مع دولتكم؟ فمن يتذلّل للغريب لماذا لا يحاور دولته للوصولِ إلى حلّ وسط معها، لربّما تعيشون ضمن بلدكم وتخفّفون الضّغط عن إخوانكم فيها، لأنّ بعودتكم سوف تسقطُ الورقة الرّابحة من يد واصفكم “بالهمج والإرهابيين” الذي يزجّ بكم بالمحرقات لصالحهِ، كما أنّ أرضكم ستعود لدولتكم وأنتم فيها وأسيادٌ عليها، فيخفّ الضّغط الاقتصادي عن إخوانكم الّذين من لحمكم ودمكم.

السّوري الذي شارك في إطفاء الحرائق في تركيا في بداية العام وصِف “بالإرهابيّ” لدى أبنائها، والآن يُقتل ويطرد ويكسر مصدر رزقه ومنزله في اسطنبول وأنقرة؛ فقط لأنّه سوريّ، قد يخرج البعض للقولِ بأنّ هذا الكلام هو من باب الشماتة، ولكن هذا هراء لأنّني مع كل سوري في الخارج، حتّى وإن اختلفت معه سياسيًا، أمّا في الدّاخل فإن سقف الوطن يحمي الجميع، لذلك عودوا علّكم تصلحون ما قمت بأفساده رفقة عدوّ جدكم.

ابراهيم شير

مدير التحرير التنفيذي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى