آراء رصينةدوليعربيكتّاب بلدناموسكو
أخر الأخبار

الاتفاق النووي الإيراني بداية حقبة جديدة وإنقاذ للسياسات الأميركية -بقلم سماهر الخطيب

على ما يبدو أن الملفات برمتها باتت شائكة ومترابطة من أقصى الشرق حتى أقصى الغرب، وبات صندوق باندورا الذي فُتح في سورية مع بداية العام 2011 صندوق عالمي انعكس بتبعاته على العالم أجمع وهو الذي شارك فيه أكثر من 80 دولة في حرب صنفت الأشرس بين الحروب ومستوى متطور من الحروب الهجينة التي تشاركت فيها أنواع الحروب كافة وكذلك تناحرت القوى كافة على الأرض السورية. واليوم وبعد مرور عقد من الزمن ونيف على هذه الحرب وذاك الصندوق الذي فُتح بفعل فاعل فقد تداخلت الملفات كافة وتشرذمت القرارات وبات النظام الدولي فوضوي تحكمه شريعة الغاب..

وباتت الجغرافية السياسية تحكم المصالح الجيوسياسية مع اندثار المبادئ الدولية التي طغت طيلة قرن مضى فالتعاون الدولي بات شعاراً لا تؤت نتائجه سوى في الحرب حيث تتعاون الدول لغزو دولة أخرى كما الحال في الحرب على اليمن كمثال..

فيما تلاشت الإيديولوجيات وباتت المساومات عنوان المرحلة الراهنة، وما بين البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وبحر عمان والمتوسط تحتدم السياسات وتتصاعد التوترات وتتسارع الأحداث وتتعدد السيناريوات وتتحدد الاستراتيجيات وتتغير قاعدة التحالفات وترصّ الصفوف وفق مصالح  الكبار وما وراء البحار تتجهز الجيوش وتدق طبول الحرب منذرة باقتراب دنو أجل النظام العالمي القائم على القطبية الأحادية.

ويبدو أن الجميع الآن يناورون على حافة الهاوية، وفي حل ملف واحد فقط تُحل جميع الملفات المترابطة مع بعضها البعض. والملف النووي الإيراني كمثال هو ملف تتشارك فيه كل من “الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وإيران وألمانيا وفرنسا وبريطانيا” وبمجرد دخول هذه الدول في هذا الاتفاق يعني أن نتائج المفاوضات ستنعكس على المجتمع الدولي برمته فمعضلة الحل هو الوصول لاتفاق يرضي الجميع ويكون فيه الربح متساوٍ إنما القطبة المخفية تكمن في المكاسب التي يمكن تحقيقها لكل فريق من الفرقاء مقابل حجم وكمية التنازلات المقدمة للحصول على مكسب يتساوى مع ما تم تقديمه أي تبادل لملفات على حساب ملفات أخرى.

ولإنّ الاتفاق النووي الإيراني تم التوصل إليه عام 2015 أي في خضم الحرب السورية فإن الانسحاب الأميركي منه عام 2018 كان لإعادة خلط الأوراق بعد أن بدا واضحاً ذاك التحالف الاستراتيجي الذي ظهر ما بين روسيا وإيران والصين خلال الحرب على الإرهاب في سورية ..

وهو ما يؤكد أن الحرب السورية أعادت ضبط ساعة المنطقة برمتها وكذلك أعادت تشكيل قاعدة التحالفات مع بداية عاصفة السوخوي عام 2015 في سورية..

وها هي اليوم إيران تناور في بحر عمان لتأكيد سيادتها البحرية، فيما تناور الصين في بحر الصين الجنوبي وتايوان لتأكيد سيادتها الدولية، وتواجه روسيا في البحر الأسود خطط غربية لاستباحة الهدوء الروسي وتحريك بؤر الإرهاب للنيل من الاستراتيجية الروسية التي تفوقت على نظيرتها الأميركية في محاربة الإرهاب وتثبيت دعائم السيادة الوطنية، وفي المتوسط تتناحر القوى الأوروبية بل “الناتوية” لتحقيق مصلحة جيوسياسية تستفيد منها في خلق معابر جديدة للطاقة بعد أن بات الروسي المتحكم والمسيطر على المكامن والإمدادات.. فيما يبقى الخليجي والتركي و”الإسرائيلي” خارج نطاق المناورات وينفذون فقط ما تمليه عليهم راعيتهم من استراتيجيات ويسجلون بعض النقاط التي تصب في صالح مشغليهم باعتبارهم أدوات تنفيذية..

بالتالي، فإنّ بداية فكفكة تلك الملفات الشائكة تبدأ من نقطة اتفاق أو عدم اتفاق في الملف النووي ما يعني إما السلم أو الحرب وما يعكسه من تباطؤ في خطى المفاوضات هو محاولة لكسب الوقت لكل فريق وتسجيل المزيد من المكاسب والإمساك ببعض الأوراق المتصلة ببعضها البعض..

والصراع المحتدم اليوم هو ما بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية التي تسعى لفرض نفسها كشريك في القرار الدولي من خلال تفعيل جميع المقومات الجيواستراتيجية عن طريق رؤية وفكر استراتيجي كما أنها تتعامل في سياستها الخارجية من خلال أولوياتها، وبالتالي فروسيا تسعى لتحقيق المصلحة القومية العليا كثابت في سياستها عبر أدوات وأساليب متغيرة بحسب حسابات الربح والخسارة لروسيا.

وقد تبنت روسيا في السنوات الأخيرة، مواقف في سياستها الخارجية أحيت التطلعات بعودة التوازن إلى النظام الدولي عبر مساعيها في التأثير بالمجريات الدولية والإقليمية الفرعية إذ شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي الأثر الكبير الذي انعكس على مستقبل السياسة الخارجية الروسية واستراتيجيتها تجاه المنطقة، بعدما تفردت الولايات المتحدة كـ”إمبراطور العالم”، فعملت روسيا على التخلص من أزماتها السابقة واستثمار ما تمتلكه من امكانيات لتعظيم عملية التنمية الداخلية وعكسها خارجياً بما يعزز مكانتها الجديدة على مسرح السياسة الدولية والإقليمية.

وبالتالي، ولتحقيق تلك التطلعات الروسية فإن الأنظار تتوجه نحو منطقة الشرق الأوسط والتي تحتل مكانة جيوسياسية مميّزة في السياسة الخارجية الروسية، ومردُّ ذلك إلى ارتباط بقاء روسيا الاتحادية وكيانها بهذا الشرق خصوصاً، بعد المحاولات المستمرّة من طرف الدول الغربية وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو على إضعافها ومنعها من استعادة مكانتها في النظام الدولي وإثارت النعرات وإشعال “دول الحاجز” الروسي لإشغال السياسات الروسية وبعثرة التطلعات الروسية في إدارة ملفات المنطقة عبر إشغالها بخاصرتها الأوكرانية والكازاخية وغيرها من دول الحاجز الروسي، إنما ما خفي عن الغرب وأميركا أن روسيا باتت ضليعة بالحرب الهجينة وما تحاول الولايات المتحدة القيام به عبر إرهاق القوات الروسية والسياسة الروسية في حرب حدودية لن تصل إلى مبتغاها طالما أنّ الحرب الهجينة “الجيل الخامس من الحروب” باتت مألوفة لروسيا بعد التجارب المريرة التي عانى منها شعوب منطقة الشرق الأوسط ومن هنا تركَّزت السلوكيات الخارجية الروسية في المنطقة باتجاه دول محور “المقاومة” أو “الممانعة” وفي مقدّمتها سورية وإيران، لتخترق سياسة العزل المطبَّقة ضدها.

فيما توجهت الولايات المتحدة الأميركية بسياساتها البراغماتية إلى توجيه اهتمامها نحو الشرق الأقصى لمواجهة النمو الصيني الاقتصادي وتمدده الجيوسياسي عبر مشروعها الحريري “الطريق والحزام”..

في المحصلة يبدو أنّ الوقت يسير ببطء للوصول إلى اتفاق إنما نتائج هذا الاتفاق ستنعكس على العالم برمته وسينتج عنه تموضع قوى جديدة وتحالفات جديدة تؤكد أنّ المجتمع الدولي ليس حظيرة أميركية..

ومن سيقدم التنازلات أولاً هي من نادت بـ”أميركا أولاً” فالداخل الأميركي وما يعانيه من تصدّع في إدارته وبلوغ دين الحكومة الأميركية 29.6 تريليون دولار في كانون الأول 2021، مع الإشارة إلى أن عجز الموازنة الأميركية للربع الثالث من عام 2021 قد بلغ 348 مليار دولار إضافة لما تعانيه من تضخم يحكم تسارعه بالهزيمة على الحزب الديمقراطي الأميركي سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية المقبلة وهو ما سيدفعها إلى تغيير سياستها المنتهجة بالعقوبات الأحادية من جهة ويجبر الإدارة الحالية على مكافحة التضخم من خلال تخفيض ضخ الأموال غير المغطاة، ورفع سعر الفائدة على القروض..

وبالإضافة إلى الإجراءات المذكورة، ربما سنرى ضغط قوي من واشنطن على دول الخليج لخفض أسعار الطاقة إنما افتقار السعوديين إلى الأموال سيضعهم في مقاومة شرسة لهذا الضغط  خاصة مع وجود بدائل في روسيا والصين، وفي ضوء تراجع الولايات المتحدة، من المرجح أن تنجح مثل هذه المقاومة.

وهذا الحال الاقتصادي الذي وصلت إليه الولايات المتحدة يذكرنا بأزمة الرهن العقاري التي انعكست على العالم أجمع فإذا استمرت الاتجاهات الراهنة والسياسات الحالية، فهذا يعني أن عجز الموازنة للسنة المالية 2022 سيكون حوالي 1392 مليار دولار. بمعنى أن عجز الموازنة الأميركية سيرتفع بنسبة 64%، ويبدو أنه لا يمكن إيقاف تسارع هذا التضخم في الولايات المتحدة الأميركية والغرب الذي تسببت به السياسات الأميركية المتوحشة في ظل الظروف الراهنة، وسوف نصل حتماً إلى التضخم العالمي المفرط في غضون سنوات قليلة إذا ما بقيت تلك السياسات النرجسية وهو ما يفسر أن الولايات المتحدة مأزومة اليوم وبحاجة لتقديم بعض التنازلات لإنقاذ اقتصادها قبل انهياره وهي اليوم في مواجهة طريق مسدود وخيارين أحلاهما مر إما الاتفاق مع روسيا والصين وإيران أو الانهيار الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي وحتماً الدولي على صعيد الأحادية القطبية وربما تتوجه نحو الاتفاق وكل ما يدور هو دق طبول لا جدوى منها..

 

*سماهر الخطيب – كاتبة صحافية وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى