آراء رصينة

العالم في عباءة أوكرانيا: فلسطين في ضمير المستتر

د. لبيب قمحاوي

هنالك التباس عربي وفلسطيني واضح في فهم طبيعة ما يجري في العالم الآن، و محاولات يائسة مستمرة من قبل الكثيرين في اجراء مقارنة بين موقف أمريكا و الغرب مما يجري في أوكرانيا وموقفهم مما جرى و يجري في فلسطين. عندما قامت اسرائيل، مثلاً، بتدمير مدينة غزة للمرة الرابعة عام 2021 فوق رؤوس المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء و رجال، تم اعتبار ذلك من قبل أمريكا و الغرب دفاعاً اسرائيلياً عن النفس! المطلوب الآن من الفلسطينيين و العرب أن يمتلكوا القدرة على التمييز بين الحق كقيمة مجردة غير مدعومة بشئ، والحق كقيمة مدعومة إما بالمقاومة الفاعلة أو بالدعم العسكري من الآخرين أو الأثنين معاً.أما في فلسطين فقد تنازلت السلطة الفلسطينية طوعاً عن المقاومة و النضال ضد الاحتلال و أصبح الحق الفلسطيني بالتالي بلا قوة تدعمه. و هكذا فشل العرب والفلسطينيون في فرض مواقف على أمريكا والغرب ترغمهم من خلال النضال و المقاومة على اعادة النظر في مواقفهم تجاه الفلسطينيين لأن الأصل الثابت في الموقف الأمريكي هو التأييد والدعم لإسرائيل.

أمريكا والغرب يعرفون الحقيقة جيداً ولا يحتاجون لمن يوضحها لهم. العرب هم من يحتاجون الى المصارحة بالحقيقة وهي بكل بساطة أن الحق لا يأتي زاحفاً لأصحابه في عالم المصالح الذي نعيشه. القوة تصنع من الباطل حقاً، فما بالك من الحق إذا ما تماهى ذلك الحق مع القوة؟ أما إذا ما ارتبط الحق مع الضعف، فإن النتيجة غالباً ما تكون وبالاً على الضعيف دون أي اعتبار لأولوية الحق.

المحاولات المتكررة من قبل العرب لإسقاط الموقف الأمريكي تجاه ما يجري في أوكرانيا على موقف أمريكا مما جرى و يجري في فلسطين و للفلسطينيين، و افتقار تلك المحاولات الى أهمية توفر عوامل القوة الذاتية لدعم تلك المطالب هي ما يجعل من كل جهد عربي وفلسطيني لتبيان انحياز أمريكا والغرب لإسرائيل، وسياسة الكيل بمكيالين عند التعامل مع القضايا العربية مقارنة بمثيلاتها من القضايا غير العربية، أمراً غير ذي فعالية، لأن ما يميز الوضع العربي حتى الآن، هو التراجع العربي المستمر و تنامي سقوط الأنظمة العربية في فخ الاستجداء من العدو قبل الصديق. الحرب في أوكرانيا على فرض أننا قررنا تناسي أهمية الجغرافيا السياسية (geopolitics ) في الحالة الأوكرانية – الروسية، ليست استثناءً من كل ذلك بل هي في الواقع تأكيداً له، وهي المثال الصارخ و الأحدث على سياسة الكيل بمكيالين في ظل وجود حالة المقاومة الاوكرانية سواء الذاتية أو المدعومة من أمريكا و الغرب، و غياب إرادة المقاومة كما تجسدها الحالة الفلسطينية الآن، بغض النظر عن الحق و الحقوق. ان تَعَنُّتْ أمريكا والغرب في موقفهم المؤيد لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية يعود في أصوله الى استمرار فشل العرب و الفلسطينيين في دعم مواقفهم المحقة بالنضال المستمر على الأرض و بالتالي في فرض رؤيتهم على مصالح أمريكا و الغرب. و الأمر لم يقف عند ذلك بل تمادت حالة الفشل العربي الى الحد الذي أجبر العرب و الفلسطينيين على ابتلاع السم الأمريكي جرعة تلو الأخرى والى الحد الذي أوصل الأنظمة العربية الى القناعة بأن انسحابها من التزامها تجاه القضية الفلسطينية هو أجدى لها ولمصالحها من معاداة أمريكا و اسرائيل، و أن مصالح الأنظمة الحاكمة في المدى المنظور هي بالتالي من خلال التحالف مع اسرائيل عوضاً عن محاولة فرض رؤيتهم ومصالحهم على أمريكا. و قد استبدل العرب ذلك المسار المقاوم بمسار التطبيع الشامل و التعامل الأمني مع الكيان الاسرائيلي. أما عن الفلسطينيين فقد انزلقت قيادتهم في فخ أوسلو و استجداء السلام الى الحد الذي قبلت فيه قيادة أوسلو بإسرائيل كحاضنة للوجود الفلسطيني على أرض فلسطين و اعتبارها الاحتلال الاسرائيلي هو الواقع و الحقيقة الدائمة والوجود الفلسطيني هو بالتالي الظل و الامتداد لذلك الاحتلال.

إذا كان هذا هو واقع الحال، فلماذا نتوقع من أمريكا و الغرب أن يدعموا المطالب الفلسطينية والمصالح العربية؟ لو لم يقاتل الشعب الاوكراني مثلاً، فما قيمة كل الاجراءات الأمريكية و الغربية العقابية ضد روسيا؟ لا شئ بالطبع. المقاومة و الاستعداد للقتال والتضحية بشكل عام هي ما يغيًر الأمر الواقع ويفرض على الآخرين تغيير مواقفهم. وبغض النظر عن موقف الكثيرين مما يجري الآن على الساحة الدولية، فإن الحقيقة تبقى في كون الاستعداد للمقاومة و التضحية هو الأساس الأقوى و الأكثر فعالية لتعزيز موقف أي طرف أو جهة من أي اجراء يجري فرضه عليها بالقوة. الاستثناء الوحيد في تاريخ البشرية هو موقف القيادة الفلسطينية التي دخلت فخ أوسلو الذي أوصلها إلى الاكتشاف العجيب بأن مقاومة الاحتلال جُرماً وعملاً إرهابياً يستحق العقاب أو القتل مما يعني أن الاحتلال وُجِدَ ليبقى في نظر تلك القيادة المشؤومة.

في غمرة ما يجري الآن من تطورات دولية خطيرة في اتجاه تغيير النظام الدولي أحادي القطبية السائد الآن، ووحشية المقاومة التي تظهرها أمريكا والغرب لذلك المسعى، نرى تسللاً عربياً لئيماً في مسار التعاون الأمني والسياسي مع اسرائيل يتم بتسارع ملحوظ و بهدوء يعزز الريبة و التساؤل عن الأهداف الحقيقية من وراء ذلك، وعن مصلحة العرب و القضية الفلسطينية في كل ذلك. ويترافق ذلك مع غياب فلسطيني ملحوظ عن مجرى الأحداث الخطيرة دولياً و اقليمياً وكأن السلطة الفلسطينية قد قبلت بأن السياسة الفلسطينية و الأمن الفلسطيني حتى في إطارهما العربي هما مسؤولية اسرائيلية و لا علاقة للقيادة الفلسطينية أو الفلسطينيين بها.

إن هدم النظام الدولي أحادي القطبية السائد الآن هي مصلحة فلسطينية و عربية و دولية. و أي مسعى يؤدي الى تحويل النظام الدولي من أحادي القطبية الى متعدد الأقطاب هو مسعى يجب أن يحظى بالأولوية و الدعم العربي و الفلسطيني بغض النظر عن المسار الذي قد يتطلبه مثل ذلك التغيير. التغييرات الكبيرة تترافق في العادة مع أو تتبع حروباً شرسة و اجراءات في غاية القسوة على الأطراف المعنية، و هذا ما يجري الآن. و ما الحرب في أوكرانيا إلا عنواناً لمثل هذه المرحلة وللتغيير الدولي القادم و الذي قد يؤدي الى تحريك مياه القضية الفلسطينية الراكدة الى حد التعفن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى