آراء رصينةثقافة

تنظيم القانون السوري لجريمة الرشوة – المحامي الأستاذ ضياء خضور

الرشوة بالمعنى العام: هي اتفاق بين شخصين يعرض أحدهما على الآخر جُعلاً أو فائدة فيقبلها لأداء عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في وظيفته أو مأموريته. ولم يعرِّف قانون العقوبات العام أو قانون العقوبات الاقتصادي في سورية جريمة الرشوة، ويخلو الاجتهاد القضائي السوري من أي تعريف.

أما الرشوة في مفهومها الأصلي فقد عرفها فقهاء القانون بأنها: اتجار موظف في أعمال وظيفته عن طريق الاتفاق مع صاحب المصلحة أو التفاهم معه على قبول ما عرض على الأخير من فائدة أو عطية نظير أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل يدخل في نطاق وظيفته أو دائرة اختصاصه.
والرشوة قانوناً: عقد غير مشروع مخالف للنظام العام، ينشأ ويتم عن طريق الرضا والقبول – على سبيل القياس – باتفاق إرادة شخصين، هما: الراشي أي صاحب المصلحة الذي يعرض على الموظف المعني هدية أو عطية؛ مالاً أو مقابلاً؛ مقدماً أو واعداً، أو يوافق على تقديم المنفعة التي يلتمسها الموظف منه، فيتجاوب معه.
والمرتشي أي الموظف العام، أو من هو بحكمه. وله الخيار بقبول المنفعة التي عُرضت عليه فيوافق ويقوم بما طُلِبَ منه، أو أن يلتمس شخص منفعة معينة من صاحب الحاجة الذي يقبل أو يرفض.
كل ذلك – وفي الحالتين – لقاء القيام بعمل أو الامتناع عن عمل كُلِّف به.

عناصر جريمة الرشوة:
ولابد لقيام جريمة الرشوة من توافر عناصرها وهي:

أ- صفة الفاعل: الرشوة في جوهرها جريمة خاصة «بالموظف العام» تمثل الانحراف بالخدمات والمرافق العامة، وتمتعه بسلطات الوظيفة يعطيه وحده قدرة الاتجار فيها؛ إذ إن الجريمة لا تتحقق إلا إذا كان الموظف أحد عضويها بالصفة الرئيسية في الملاحقة الجزائية، فإذا فقد هذا العنصر لأي سبب انعدمت جريمة الرشوة، وحلَّ مكانها الوصف القانوني لجرم آخر.

ب- العنصر المادي: الفقه القانوني متفق على جوهر الركن المادي لجريمة الرشوة، وهو فعل معين يقوم على وعد أو إعطاء يعرضه الراشي على المرتشي فيقبله، إذن: فهو قبول الموظف لفائدة أو وعد بها، أو طلب شيء من ذلك لنفسه أو لغيره من صاحب مصلحة ليؤدي له أمراً يدخل في أعمال وظيفته، أو يزعم الموظف أن أداءه من اختصاصه، أو يعتقد خطأً أنه مختص به، فصور الفعل المادي على درجة كبيرة من التعدد والسعة بحيث تشمل كل أوجه الاتجار في الوظيفة أو استغلالها، إذ إن الفعل يتم بمجرد أن يأخذ الموظف عطية، أو يقبل وعداً بها، أو يطلب شيئاً من ذلك، والفائدة التي يتعلق بها قد تكون من الماديات، وقد تكون فائدة غير مادية.
والمستفيد منها قد يكون شخص المرتشي، وقد يكون شخصاً آخر عينه لذلك، أو علم به ووافق عليه. ومقابل الفائدة يؤدي الموظف لصاحب المصلحة عملاً يدخل في اختصاصه فعلاً أو زعماً؛ وسواء كان المطلوب القيام بعمل بحق أم الامتناع عنه؛ يعد إخلالاً بواجبات الوظيفة أو الخدمة؛ فإذا وقع الفعل في إحدى صوره فلا عبرة لتحقيق الأمر الذي قدمت العطية من أجله أو عدم تحقيقه؛ لأن الجريمة عند ذلك الحد قد تمت، وبالتالي فإن عدول الموظف بعد أخذه أو قبوله أو طلبه فائدة أو وعداً بها يكون لاحقاً لوقوع الجريمة ولا ينجيه من استحقاق العقاب، ويتجلى العنصر المادي بعدة صور تتمثل بنشاط معين يبذله المرتشي، ولهذا النشاط في القانون السوري عدة صور هي: الأخذ أو القبول أو الطلب، يقابله مساهمة من الراشي بالإعطاء أو الوعد.
ج- العمل المطلوب: إن التماس الموظف العام أو من في حكمه منفعة أو فائدة لنفسه أو لغيره لا يكفي لقيام الركن المادي لجريمة الرشوة، بل لا بد من غرض مقصود من الرشوة، فإذا كان الغرض من الرشوة هو القيام بعمل شرعي من أعمال الوظيفة كانت الرشوة جنحة، أما إذا كان الغرض منها هو القيام بعمل ينافي واجبات الوظيفة كانت الرشوة جناية.
وهذا يقتضي وجود رابطة أو صلة بين الموظف الذي هَدَفَ إلى تحقيق الفائدة وبين صاحب المصلحة الذي قدم العرض للوصول إلى غايته، ويكون محل هذه المقايضة هو العمل الوظيفي الذي اؤتمن عليه الموظف، والثمن الذي يملكه صاحب المصلحة، ولكن لا يشترط كما ذكر آنفاً أن ينفذ الموظف ما يطلب منه من أعمال الوظيفة مقابلاً للفائدة؛ إذ يكفي أن يتم الاتفاق عليه، أو أن يكون مفهوماً ضمناً، عند تلقي العطية أو الوعد.
ولا يكفي أن يكون مقابل الفائدة عملاً أو امتناعاً عن عمل، بل يجب أن يكون العمل الوظيفي داخلاً في اختصاص الموظف حقيقة أو زعماً أو توهماً، ووجود علاقة بين العمل أو الامتناع عنه ووظيفة المرتشي، وأن تكون الوظيفة قد سهَّلت اقتراف الفعل أو الامتناع عنه.

د- العرض والطلب:
(1) صور الفعل الذي يقوم به فرقاء جرم الرشوة: جرم الرشوة وفق ما ذكرته المادتان (341 و342) من قانون العقوبات السوري يقتضي بيان صور الفعل الذي يقوم به كل من الراشي والمرتشي والوسيط والغير المستفيد.
t صور الفعل الذي يقوم به الراشي: إذا قام الراشي بعرض الرشوة على الموظف، لكنها لم تلقَ قبولاً من هذا الموظف؛ فإن التكييف القانوني لتصرف العارض أو الواعد طبقاً للقواعد العامة يكون شروعاً في تنفيذ جريمة الرشوة؛ إذ حيل بينها وبين إتمامها رفض العرض أو الوعد من طرف من وجهت إليه؛ لسبب خارج عن إرادة الراشي، ولكن علماء آخرين لم يعدّوها محاولة لجريمة الرشوة، وإنما عدّوها عنصراً أساسياً مكوناً لجريمة تامة، تنطبق عليها أحكام المادة (345) من قانون العقوبات.
أما إذا قدَّم الراشي العطية المطلوبة من الموظف قبل أداء العمل؛ فيكون الأجر في الرشوة معجلاً، أما إذا كان الدفع معلقاً على تنفيذ العمل؛ فإن الاتفاق يكون قد تم بين الراشي الذي طلب والموظف الذي قبل، والعكس صحيح، ويكون الوضع الناشئ من ذلك مؤلفاً لجريمة خاصـــــــــــــــة بطرفيها وبعناصــــــرها، وتنطبق عليــــــــه المادتان (341 و342) من قانون العقوبات؛ نظراً لما ارتضاه الفريقان.

هـ – العنصر المعنوي: الرشوة من الجرائم المقصودة التي يتطلب فيها القانون توافر القصد الجزائي لدى المرتشي؛ أي الموظف العام، أما القصد الجرمي الذي يجب توافره بالنسبة إلى الراشي والمتدخل (الرائش)، فهو قصد الاشتراك في جريمة الرشوة وفق نظام وحدة الرشوة، ولما كان القصد الجرمي من العناصر التي يجب توافرها لقيام جريمة الرشوة، لذلك لا بد من تحديد نوع القصد الجرمي الواجب توافره في جريمة الرشوة، وهل هو قصد عام أم قصد خاص؟
(1) القصد الجرمي العام في جريمة الرشوة: القصد الجرمي العام يتطلب توافر عنصرين هما: الإرادة والعلم بجميع عناصر الفعل المادي المكون للجريمة كما وصفها القانون، ويتجه الرأي الغالب في الفقه إلى اعتبار القصد المتطلب لدى الموظف المرتشي حتى تقوم جريمة الرشوة قصداً عاماً لا خاصاً؛ إذ يكفي أن يطلب الموظف الفائدة أو يقبلها أو يقبل الوعد بها وهو عالم أنها مقابل لأداء عمل أو امتناع عن عمل بصورة مشروعة أو بصورة منافية لأداء العمل الوظيفي؛ حتى يعد مرتكباً لجريمة الرشوة،
.
عقوبة جريمة الرشوة:
1- عقوبة المرتشي: نص المشرع في المادة (341) من قانون العقوبات السوري على عقاب الموظف المرتشي بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة أقلها ضعفا قيمة ما أخذ أو قبل به، وهذه العقوبة الجنحيةتفرض على الموظف المرتشي عندما يطلب أو يقبل الرشوة ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته. لكن المشرع عندما يجد الفعل على درجة عالية من الخطورة؛ فإنه يفرض على الجرم عقوبة أشد وهو ما نصت عليهاالمادة (342) من قانون العقوبات، حيث جعلت العقوبة جنائية، جزاؤها الأشغال الشاقة المؤقتة وغرامة لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل به، إذا كان العمل الذي تعهد الموظف القيام به مقابل الرشوة منافياً للوظيفة، أو إذا ادعى أن العمل داخل في وظيفته، أو إذا طلب الرشوة أو قبلها أو قبل الوعد بها؛ ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه. فإذا تحققت إحدى هذه الحالات كانت العقوبة مشددة؛ لأن ارتكاب الموظف لجريمته وفق إحدى هذه الحالات يدل على استهتاره بوظيفته وتأصل النزعة الجرمية في كيانه.
كما أن المشرع قد نص على تشديد عقوبة جريمة الرشوة في المادة (25) من قانون العقوبات الاقتصادية، حيث نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه: «يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من يعمل في الدولة ويلتمس أو يقبل هدية أو منفعة أو وعداً بأحدهما لنفسه أو لغيره ليقوم بعمل من أعمال وظيفته أو ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته أو يهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه».

2- عقوبة الراشي: إن العقوبات المفروضة على الراشي نص عليها قانـــــــــــــــون العقوبات في المادة (343)التي جعلت العقوبات المنصوص عليها في المادتين (341 و342) تنزل أيضاً بالراشي. وهي على نوعين أيضاً تبعاً لطبيعة العمل أو الغرض الذي دفعت الرشوة من أجله، وبذلك ساوى المشرع بين عقوبة الراشي والمرتشي سواء من حيث الحبس أم الغرامة.
3- عقوبة المتدخل في جريمة الرشوة: نص المشرع السوري صراحة على عقاب المتدخل في جريمة الرشوة كما فعل بالنسبة إلى المرتشي والراشي، بخلاف المشرع المصري الذي نص على عقابه بنصوص خاصة، الأمر الذي يقتضي إعمال القواعد العامة للمتدخل، فإذا كان العمل الوظيفي الذي تدخل به الوسيط (الرائش) مشروعاً؛ فإنه يستحق نصف العقوبة المفروضة في المادة (341) من قانون العقوبات وفق قواعد التدخل العامة المنصوص عليها في المادة (219/2) من قانون العقوبات إذا كان تدخله ثانوياً.
أما إذا كان تدخل الرائش بين المرتشي والراشي من أجـــــــــــــــل أن يقوم المرتشي بأداء عمل منافٍ لواجبات الوظيفة؛ فإن عقوبته تكــــــــــــــون نصف العقوبة المقررة في المادة (342) من قانون العقوبات، وفق قواعد التدخل الواردة في المادة (219/2) أيضاً، ولكن إذا كان دور المتدخل رئيسياً، إذ لولا مساعدته ما ارتكبت الجريمة؛ فإنه يعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي أو الشريك نفسها، أي كما لو كان هو نفسه الفاعل. أما في حالة جريمة عرض رشوة لم تلقَ قبولاً – المنصوص عليها بالمادة (345) من قانون العقوبات – فإن المتدخل يعاقب بمثل عقاب صاحب المصلحة؛ عارض الرشوة، أو بنصف عقوبته المقررة بالمادة (345) المذكورة حسب درجة تدخله.

المحامي الأستاذ ضياء خضور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى