آراء رصينةدوليروسيا الاتحاديةعربيكتّاب بلدناموسكو
أخر الأخبار

جيوبولتيك الطاقة في الصراع وأوكرانيا المحطة الأولى! بقلم – سماهر الخطيب  

يقول “دانييل يرجن” رئيس قسم الطاقة في جامعة كمبردج أنّ “البترول هو 10% من الاقتصاد و90% من السياسة” فقد بات جيوبولتيك الطاقة يحظى باهتمام متجدد ينعكس على الصراعات الدولية سواء الأقليمية أو الدولية وسواء من حيث مكامن الطاقة أو طرق إمدادها، كما بات محدداً رئيسياً لرسم السياسات الدولية ومؤطراً لشكل العلاقات الدولية، ويعتبر الغاز الأسرع نمواً في مجال الطاقة في العالم وهو يمثل حالياً حوالي 22 في المئة من إجمالي الإستهلاك العالمي للطاقة كما يتمتع بأسعار معقولة وأكثر ملاءمة للبيئة من الخيارات الأخرى الممكنة تجارياً الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب عليه رغم انخفاض أسعار النفط.

وفي روسيا الاتحادية يشكل قطاع الغاز والنفط ربع الناتج المحلي الإجمالي، حيث تسهم إيرادات هذا القطاع في الموازنة الروسية بشكل متزايد وعلى سبيل المثال فقد موّلت تلك الإيرادات أكثر من 45 بالمئة من موازنة الدولة الروسية عام 2013 حيث وصلت إلى 191 مليار دولار أميركي، ليوفّر الغاز والنفط معاً 68 بالمئة من إيرادات التصدير الروسية ويتجه ما يزيد على 80 بالمئة من صادرات الإنتاج الروسي للطاقة نحو أوروبا بما يجعل الأخيرة أكثر تبعية لواردات الطاقة الروسية.

ومع بدء العملية الروسية في أوكرانيا بدأ يتضح أن “المعركة” ليست مع أوكرانيا و”النازيين” فحسب بل إن المعركة الحقيقية مع الولايات المتحدة الأميركية قد انطلقت بالفعل جيوبوليتيكياً وجيواقتصادياً وجيوسياسياً، خاصة وأنّ سلاح العقوبات الغربية قد طال قطاع الطاقة الجيواستراتيجي، مع ما رافق تلك العقوبات من تسارع أميركي لتقديم غازه المسال كمقايضة عن الغاز الروسي ليتضح رغبة أميركية واضحة في إزاحة روسيا الاتحادية من سوق الطاقة الأوروبية ودفع أوروبا للاعتماد على الغاز الأميركي المسال.

وبينما يتبلور جيوبولتيك عالمي جديد باتت معالمه تلوح في الأفق وبات معه الصراع الدولي يلقي بظلاله على النظريات الجيوبولتيكية تلك النظريات التي تنبأ الاستراتيجي الأميركي ألفرد ماهان بالتنبؤ بها قبل أكثر من مئة عام ليبدأ “قلب العالم” بالتشكل بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة ما بين الصين الشعبية والاتحاد الاقتصادي الأوراسي عام 2018 والتي تعتبر استمرار لاتفاقية التجارة الحرة الموقعة ما بين الاتحاد الإقتصادي الأوراسي والجمهورية الإسلامية الإيرانية لتغدو هذه الاتفاقيات نقطة تحول دبلوماسية اقتصادية جديدة لتوطيد الجناح الجنوبي من آسيا الوسطى والتي تشكل الجزء الأساسي من “قلب العالم” وهو ما يجعل آسيا الوسطى اليوم منطقة مهمة من الناحية الاستراتيجية على صعيد النقل والدفاع والطاقة ولذا تسعى الدول الساحلية في بحر قزوين كأذربيجان مثلاً لتنويع اقتصادها مستفيدة من موقعها الجغرافي.

أطراف المشهد الجيوبولتيكي العالمي

وفي تحديد أطراف المشهد الجيوبولتيكي العالمي المتشكل، فإنه من البديهي أن تكون الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وأوروبا أطرافاً جيواستراتيجية ترسم معالم هذا المشهد لكنهم ليسوا الأطراف الوحيدة فقد انضمت قوى أخرى إلى قائمة الفاعلين الجيواستراتيجيين العالميين وهي الصين والهند وإيران وهذا ما جعل المشهد العالمي أكثر تعقيداً خاصة وأنّ الصين والهند تجتمعان مع روسيا للمرة الأولى في منافسة الولايات المتحدة للسيطرة على منطقتي القلب والحافة باعتبار أنّ موقع الصين الجغرافي يمنحها موقعاً فريداً في الجيوسياسية العالمية.

إذ يعزز موقع الصين من حقيقة أنها قوة كبرى ذات طبيعة مزدوجة برية وبحرية فهي تقع على الطرف الأقصى لمنطقة الحافة وفي أكثر نقاطها ديناميكة (الشرق الأقصى) وعلى المحيط المحوري للسياسات العالمية (الباسفيكي) وتلتصق بمنطقة القلب في أهم نقاطه (كازاخستان ومنغوليا الداخلية) وستزداد القوة الصينية مع تعزيز سيطرتها على بحر الصين الجنوبي وهو البحر المقابل  للمتوسط شرق آسيا، وهذا ما يمكنها من تعزيز اتصالاتها مع القلب والحافة في الوقت نفسه ما يجعل القوة الروسية – الصينية قوة مشتركة بشقيها البري والبحري مشكلة الجزء الطبيعي من أوراسيا.

إنّ هذه الطبيعة المزدوجة للقوة الروسية – الصينية المستمدة من جغرافية كلا البلدين مكنتهما من تحدي الولايات المتحدة والغرب سواء في البر أو البحر مع تركيز استراتيجية منظمة شنغهاي للتعاون على تمكين توغلها في آسيا الوسطى (قلب العالم) وصولاً إلى الخليج والمتوسط وشرق أوروبا وهذا ما دفع الصين لإحياء طريق الحرير التاريخي عبر مشروع “الحزام والطريق” ولم يكن التقارب الروسي – الصيني حصيلة ليلة وضحاها بل إنهما عملتا معاً بشكل مكثّف طيلة العقدين الماضيين لبناء نفوذ قوي في أفريقيا وليس فقط في الشرق الأوسط.

بالتالي، فإنّ الخطوة الروسية – الصينية المشتركة في أفريقيا ستصبح قيمة مضافة لقوة البلدين وسيكون لها أثرها على تطور النظرية الجيوبولتيكية مضيفين شروط جديدة على “اللعبة الدولية” موسعين رقعة الشطرنج والمناورة على بقعة جغرافية شاسعة إذ لم يعد “قلب العالم” منحصر في شرق أوروبا ووسط آسيا بحسب (ماكيندر) كما لم يعد محصوراً بشرق أوروبا والشرق الأوسط ووسط آسيا بحسب (سبيكمان) ولا حتى في الرقعة الشطرنجية الأوراسية بحسب (بريجينسكي) بل حددت روسيا والصين  قلب العالم ليشمل إفريقيا وبالتالي فإن القوى العالمية سواء أكانت برية أو بحرية أو مزدوجة لن تطور استراتيجياتها تجاه مناطق الحافة أو القلب وحسب بل تجاه أفريقيا أيضاً.

إن مصير دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وأفريقيا لم يعد محصوراً بيد القطب الواحد فهناك العديد من القوى العالمية والإقليمية النشطة التي تناور في السياسة الدولية مع نهوض الصين والهند وتركيا وإيران وباكستان والتي باتت قوى اقتصادية رئيسية وفيما كانت قواعد اللعبة الدولية القديمة تقول بالسيطرة الفردية على ثروات البلاد في شرق آسيا وأفريقيا واستعمارها فإنّ القواعد الجديدة التي وضعتها روسيا والصين مجتمعتين تقول بالاستفادة الجماعية من ثروة النفط والغاز أولاً أملاً بالإرتقاء بالمستويات المعيشية لشعوبها، وثانياً في العمل على تشجيع التعاون السياسي والاقتصادي فيما بينها بما يحقق مصالحها وهذا فلسفة مشروع “الحزام والطريق” وذراعه الاقتصادي المتمثل “بمنظمة شنغهاي للتعاون” حيث حصلت دول المنظمة على درجة من الاستقلال الوطني الحقيقي وباتت رافضة للخضوع تحت سيطرة أي دولة إقليمية أو عالمية.

وبات الكابوس الأكبر للولايات المتحدة هو قيام تحالف نفطي سياسي عملاق يستند إلى تشكل وقيام محور روسيا – الصين – إيران والذي يهدد الزعامة الأميركية ويزيحها عن مكانتها العالمية وخصوصاً مع تواصل تدهور الموقف الأميركي في هذه المنطقة الشاسعة من العالم.

الطاقة عامل مزدوج التأثير

وبما أنّ روسيا الاتحادية رائدة عالمياً في إنتاج النفط والغاز، وتنتج حوالي 10% من مصادر الطاقة الأولية في العالم، استفادت روسيا من هذه الريادة وفق مقولة هنري كيسنجر “لا يمكنك أبداً التصرف على أساس أن سياسة الطاقة من الممكن اعتبارها مسألة اقتصادية بحتة، منذ البداية، هي تعتبر أداة للسياسة الخارجية”، لتصبح دبلوماسية الطاقة بالنسبة لروسيا أحد أهم المجالات ذات الأولوية في السياسة الخارجية وإحدى أدواتها، وطريقة أساسية لتنظيم العلاقات الدولية في قطاع الطاقة بالتعاون مع الشركات الوطنية لتنفيذ سياسات الطاقة الخارجية التي تهدف إلى حماية المصالح الوطنية والدفاع عنها في إنتاج ونقل واستهلاك الموارد كشركة “غازبروم”، وكذلك سلاح فعّال موجه ضدّ العقوبات التي تفرض على روسيا، وهو ما اتضح جلياً حين ربط الرئيس الروسي تصدير الغاز بالروبل كرد على العقوبات الغربية وإنقاذ العملة الوطنية من الإنهيار.

وبذلك ربطت روسيا ما بين دبلوماسية الطاقة وأمن الطاقة وجعل الطاقة عامل مزدوج التأثير في تنظيم العلاقات الدولية وحماية أمنها القومي والوطني والإقتصادي.

ولنفهم العقلية الروسية فإننا نعود لما قاله ونستون تشرشل بتعريف روسيا بأنها “لغز، ملفوف في لغز، داخل لغز”، باعتبارها تلعب وفقاً لقواعدها الخاصة، وبالتالي كان واضحاً منذ الأزل أنه كلما شن بلد أو دول أعمال عدائية ضدّ روسيا، فإن المقاومة الاستراتيجية للصبر هي ما سيحصلون عليه في المقابل.

وإذا ما غصنا أكثر في العقلية الجيوسياسية الروسية فإننا سنجد أن جزء من الأساس المنطقي للعملية الروسية في أوكرانيا هو نظرية “قلب العالم” وتمتد منطقة القلب من نهر الفولغا إلى نهر اليانغتسي ومن القطب الشمالي إلى بحر قزوين.  وهي المجال الذي يمكن لقوة واحدة أن تهيمن من خلاله على بقية جزيرة العالم، بشرط أن تتمتع القوة بالاستقرار.

وهنا تكون روسيا هي القوة التي تكمن في قلب هذه النظرية، وهذا هو السبب في أنها تتناسب مع السياسة الخارجية الروسية. إذ تعتمد كل فلسفة “الأوراسية” على فهم جغرافية الأقليم الروسي ومستقبله من نظرية ماكيندر حول المنطقة المركزية للعالم وهي بحسب أليكسندر دوغين أهم نص جيوبولتيكي لفهم العالم في ميدان الجيوبوليتيك ليحدد الأهمية الاستراتيجية لروسيا الاتحادية وبالتالي فإن العقيدة الأوراسية هي التي تؤهل روسيا الاتحادية لاستعادة مكانتها وأن تمتلك الاستقلالية الجيوبولتيكية بمعنى أن الأوراسية باتت إرادة استرجاع القوة والتصدي للخطط الأميركية والغربية الساعية لإخراج روسيا والصين من المحور الجغرافي لتاريخ البلدين..

وعمل بوتين على تصحيح أخطاء التاريخ مستفيداً من الجيوبولتيك الروسي والوضع الجيواقتصادي لبلاده مستفيداً من عنصر الطاقة الذي أضيف كعنصر أساسي إلى الجيوبولتيك لإنشاء محاور ثلاثة تُعيد صياغة الدور الروسي وهي: المحور الغربي موسكو – برلين والمحور الشرقي موسكو – بكين والمحور الجنوبي موسكو – طهران.

في المحصلة، قد يستغرب البعض استخدام نظرية جيوسياسية عمرها قرن من الزمان كنموذج في السياسة الخارجية. وقراءة من خلالها لمجريات الأحداث الدولية إنما  الشيء الوحيد الذي يحافظ على أهمية نظرية ماكيندر هو دائرة الجغرافيا، ومهما تعاظمت قوة الدول فإنها لا تستطيع تجاوز الجغرافية التي تحدد مكانة وأهمية وقوة الدول..

 لذا فإن السيطرة على أوروبا الشرقية ستسمح لروسيا باستعادة مكانتها العالمية وبالتالي فإن أوكرانيا هي فقط المحطة الأولى، وهذا ما يخيف الغرب حتماً.. كما أنّ السيطرة الصينية على تايوان وبحر لصين الجنوبي ستسمح للصين بتبوء مكانة عالمية وبالتالي فإن موقفها من العملية الروسية في أوكرانيا هو تأكيد للخطوة الاستراتيجية الثنائية لصياغة نظام عالمي جديد لا مكان للهيمنة الأميركية فيه..

*سماهر الخطيب – كاتبة صحافية وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى