فكر حر مع راميا

متلازمة ضيعة ضايعة

ماذا يعني أن تتابعَ عملاً لمدةِ ثلاثة عشر عاماً على التتالي؛ ويوميّاً دون كللٍ أو مللٍ؟، ماذا يعني أن تحفظَ أدق تفاصيله من الصَّوتِ إلى الصُّورةِ إلى الحركات الّتي يقومُ بها الممثلون إلى الكلماتِ الرَّنانة الخاصة به إلى الأداءِ والحركات وحتى المناظرِ المرافقةِ لكلّ مشهدٍ؟، ماذا يعني أنْ تتحولَ إلى مدمنٍ لعملٍ ما أو  أن تصابَ بمتلازمةٍ متعلّقةٍ به وباسمه؟
ماذا يعني ألّا تستطيع النومَ دون تناولِ حلقة من حلقاته حتى تغفو مرتاحاً ومطمئناً، وكأنَّ همومَ الدنيا قد انزاحت عنكَ؟
ما السرُّ الّذي يَكمن في عملٍ بسيطٍ وعظيمٍ كـ (ضيعة ضايعة)؟؛ ليستطيع لمَّ شملِ اللُّغات واللهجات كلّها، وليوحد الذوقَ العامَ؛ فيصبح العمل المشترك الّذي يتابعُه وتابعه الجميع من المحيطِ إلى الخليج؟
ما السّرُّ الّذي ابتكره العظيم “ممدوح حمادة”؛ ليخلق عملاً كهذا العمل، فيتحوّل إلى خليةٍ حياتيّةٍ، لا يُمكن العيش دونها، ومنظومةٍ كوميديَّةٍ قائمةٍ ومستقلةٍ بحدِّ ذاتها؟
ما السّرُّ وراءَ كلّ فكرة وحوار وموضوعات مباشرة وغير مباشرة، حتى يصبح هذا العمل مثلَ حبةِ مخدرٍ حقيقيةٍ، لا يُمكن أن نتخيلَ أي شيءٍ يبعث على الضحكِ دونَ ذكرها، واستحضارها، ومقارنته بها؟
ما السّرُّ الّذي حوّل (ضيعة ضايعة) إلى عالمٍ موجودٍ؛ لا ولن يضيعَ أو يزول؟
قد يكون سبقني للكتابة عن هذا العمل آلاف الصحفيين والكتَّاب والنقاد والمتابعين؛ إلّا أنني وفي كلِّ مرةٍ، كنت أقرأ مقالاً أو تحقيقاً، أو حتى (منشورا صغيراً) عن هذا العمل، كنت أقولُ يلزمنا المزيد، والمزيد من الكتابات عنه؛ كي نوفيه حقَّه.
كيف لا؟!؛ وهو العمل الّذي يعيشُ معنا، ونعيشه بكلِّ تفاصيل حياتنا، ولا سيَّما الكوميديّة، واللطيفة، والمضحكة منها…
كيف لا نكتب عنه؟، وقد أدمنّا مفرداته، وتعابيرَه، وحركات الممثلين الّذين أدوا أدوارَهم، فأبدعوا؛ حتى تمكّنوا من اختراقِ حاجزِ الحزنِ فينا، وليحولوا كلَّ لحظاتنا إلى لحظات ممتعةٍ، ومسليةٍ، ومضحكةٍ.
أقل ما يُمكن قوله عن (ضيعة ضايعة)، أنَّه أصبح رمزاً، ومرجعاً، ومعجماً لكلِّ عملٍ كوميدي سيأتي بعده.
وهيهات أن يُخلَق عملٌ يستطيعُ التَّشبه به على الأقلِ، لأنَّ المنافسةَ -باعتقادي- صعبةٌ، وصعبةٌ جدّاً…
الكمالُ والتَّكاملُ الّذي وجِدَ في (ضيعة ضايعة)، ليس من السَّهلِ أبداً محاكاته أو تقليده أو خَلقَ عملٍ آخرٍ يُمكن أن يتحوّل أيضاً إلى إدمانٍ حقيقي لكثيرين منّا.
شكراً للمرةِ المليون للعظيم “ممدوح حمادة”، الّذي كتبَ فأبدعَ، شكراً لكلِّ ضحكةٍ زرعتها فينا، شكراً لكلِّ مرةً قلنا… ونقول… وسنبقى نقول… (ماشي، مواشي)، (بالإذن بالأنف بالحنجرة)، (ماشي يا فراشة).

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يبدو لي ايتها الاديبة الراقية اننا ، وفي ظل التوجه الى المدنية التي تستلزم قواعد كثيرة مصطنعة ، نحتاج إلى البساطة الفطرية الطبيعية البعيدة عن التصنع .. وهذا ما قدمه المبدع حمادة ، وجسده بإبداع كبير نجوم العمل ، اضافة إلى الكوميديا العفوية غير المبتذلة .. كل ذلك بالاضافة الى عوامل أو قفشات اخرى اجتماعية وسياسية قدمها العمل جعلت منه عملا يعيش في يومياتنا وكل تفاصيل حياتنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى